كلمة رئيس الآلية

في شهر كانون الأوّل/ديسمبر من هذا العام، تحلّ الذكرى العاشرة لتأسيس الآليّة الدوليّة المحايدة والمستقلّة. ففي عام 2016، اتخذت الدول الأعضاء قراراً جريئاً ومبصرًا مفاده أن المحاسبة على الجرائم المرتكبة في سوريا ستكون ممكنةً يوماً ما، وأن الأدلّة يجب أن تكون جاهزة حين يحين ذلك اليوم. وقد أثبتت أحداث كانون الأوّل/ديسمبر 2024 صواب هذا القرار.
واليوم، وفيما تسعى سوريا إلى تجاوز مرحلة الانتقال المعقّدة، فإن تلك الرؤية الاستباقية قد جعلت من الآليّة ركيزةً أساسيةً للمرحلة القادمة. فهذه الآليّة أُنشئت للعمل على المدى البعيد: جمع الأدلّة وحفظها وتحليلها ودعم الملاحقات القضائية، والاستمرار في هذا العمل عاماً بعد عام، حتى في الأوقات التي بدت فيها العدالة الشاملة بعيدة المنال. وفي هذه النشرة، ستقرؤون كيف يواصل هذا النهج بالنجاح، في قاعات المحاكم عبر أوروبا، وفي دعم التحقيقات النشطة في هيئاتٍ قضائيةٍ حول العالم، ولأوّل مرّة في حفظ المواد على الأراضي السورية. وستطّلعون أيضاً على مشاركة الآليّة للمعلومات والأدلّة مع جهات العدالة الدولية في أكثر من ألف مناسبة منفصلة، دعماً للتحقيقات في مختلف الهيئات القضائية وللجهود الرامية إلى الكشف عن مصير المفقودين. ومؤخراً، شارك فريق من الآليّة هذه الخبرات في دمشق من خلال تنظيم أوّل ورشة عمل داخل سوريا حول أنظمة إدارة المعلومات والأدلّة لأعضاء الهيئات الوطنية.
وبينما تمثّل الآليّة نموذجاً لما يمكن للأمم المتحدة تحقيقه، فإن عملنا لا يتمّ إلاّ بفضل تعاون الآخرين. فالآليّة تستطيع تسخير مواردها وخبراتها لتعزيز العدالة الدولية لأن السوريين، وفي مقدّمتهم الضحايا والناجون/يات، قدّموا لها دعمهم. فكثيرون منهم وثّقوا الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها نظام الأسد وجماعات المرتكبين الأخرى على حساب مخاطر شخصية جسيمة، وأوكلوا الآليّة بحفظ تلك المواد. وقد حرصوا على إبقاء المساءلة في صدارة الاهتمام الدولي حين بدت العدالة مستحيلة. إن أصواتهم توجّه كل ما نقوم به، وثقتهم اليوم أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى.
وتمرّ سوريا بمرحلةٍ انتقاليةٍ هشّة تتزاحم فيها ضغوط ومتطلّبات متعدّدة. غير أن العدالة ليست مجرّد أولوية من بين غيرها، بل هي ركيزة بحدّ ذاتها. فالضحايا والناجون/يات لا يحتاجون إلى وعودٍ بالعدالة، بل إلى مساراتٍ واضحةٍ ونتائج ملموسة من التحقيقات والإجراءات القضائية.
وكلّما ترسّخت تلك المسارات، كلّما ازدادت أهمية ولاية الآليّة. وتجري حالياً مناقشات مثمرة مع السلطات السورية بشأن اتفاقية تعاون تحكم تعاون الآليّة مع سوريا، بما في ذلك تبادل المعلومات والمساعدة الفنية. ونتطلّع إلى إطارٍ من شأنه أن يمهّد الطريق لتعاونٍ جوهري في دعم جهود المساءلة في سوريا، مسترشدين بالتزامٍ مشتركٍ بالعدالة الشاملة والنزيهة واحترام ضمانات المحاكمة العادلة. وكما تبيّن هذه النشرة، فإن الآليّة جاهزة لدعم سوريا في تعزيز مؤسساتها وبناء أطرٍ شاملةٍ جديدة. ويبقى إطلاق عمليّات في دمشق هدفاً أساسياً.
وفي هذه الأثناء، تواصل الآليّة عملها بوصفها مرجعاً لا غنى عنه في دعم التحقيقات والملاحقات القضائية خارج الحدود الإقليمية، ولاستيفاء الرؤية التي انطلقنا منها عام 2016: استغلال كل سبيلٍ متاح لتحقيق العدالة، وأن يرى الضحايا والناجون/يات المرتكبين يُحاسَبون كلّما كان ذلك ممكناً.
وتقدّم هذه النشرة تفاصيل ما يعنيه ذلك على أرض الواقع. العمل يتقدّم. الأدلّة التي تحتفظ بها الآليّة في أمان. وستواصل هذه الآليّة الوفاء بولايتها، من أجل سوريا، ومن أجل كل من وضع ثقته في وعد تحقيق العدالة.
روبير بيتي
رئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة
الآليّة بالأرقام
يُظهر الجدول أدناه أرقاماً تراكميّةً حتّى التواريخ المشار إليها. تشير عبارة “حزمة أدلّة” إلى وحدة أدلّة مستقلّة مسجّلة في المستودع المركزي للآليّة، وتشمل الوثائق والملفّات الرقميّة والسجّلات الورقية ونصوص المقابلات والمواد مفتوحة المصدر.
| ابريل 2026 | ديسمبر 2025 | |
| حزم الأدلة المسجلة والمحفوظة | 1,100 | 1,000+ |
| طلبات المساعدة الواردة | 560 | 539 |
| تتعلّق طلبات التحقيق المميّزة بـ | 371 | 360 |
| التحقيقات المدعومة | 270 | 257 |
| المحاكمات المدعومة | 31 | 26 |
| المنتجات التحليلية المتشاركة | 51 (235 مرة) | 49 (227 مرة) |
| انشطة تبادل المعلومات والادلة | 1,002 | 938 |
| اطر التعاون القائمة | 110 | 108 |
الانشطة الاخيرة
عقدت الآليّة الدوليّة المحايدة والمستقلّة أوّل ورشة عمل لها داخل سوريا مع المؤسّسات الوطنية السورية
(11-12 أيّار/مايو)
في خطوةٍ هامّةٍ في إطار تعاملها المباشر مع أصحاب المصلحة الوطنيين السوريين، عقدت الآليّة الدوليّة المحايدة والمستقلّة أوّل ورشة عمل لها داخل سوريا حول إدارة المعلومات والأدلّة، بدعمٍ من حكومة المملكة المتحدة.
جمعت ورشة العمل كبار المسؤولين ومسؤولي للتنسيق الفنيين من وزارات العدل والداخلية والخارجية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى جانب مسؤولين من الأمم المتحدة وخبراء فنيين دوليين.
استناداً إلى تسع سنوات من الخبرة التشغيلية في جمع المعلومات والأدلّة وحفظها ومعالجتها وتحليلها، شاركت الآليّة الدروس المستخلصة والممارسات الفضلى، إضافةً إلى الاعتبارات الاستراتيجية والتشغيلية. وتمحورت العروض حول كيفية الاستفادة من هذه الخبرة لمساعدة المؤسّسات السورية على إدارة المعلومات والأدلّة الرقمية واستخدامها بفاعلية في مسارات العدالة الانتقالية.
وقال السيّد كيث هايت، رئيس قسم إدارة نظم المعلومات في الآليّة: “تُمثّل هذه الورشة خطوةً أولى هامّةً في إطار التعاون الفني المنسَّق بين الآليّة ومؤسّسات العدالة الانتقالية السورية في مجال إدارة المعلومات. فهذه المؤسّسات مجتمعةً تحتفظ ببياناتٍ ستُسهم في رواية قصص الضحايا والناجين/يات، وفي تحقيق مساءلةٍ حقيقيةٍ ضمن إطار القانون.”
وتقف الآليّة على أهبة الاستعداد لدعم المؤسّسات السورية في نطاق ولايتها وخبراتها كافّة، وترحّب بمزيدٍ من التعاون حول القضايا ذات الأولويّة المحورية لعملية العدالة الانتقالية في سوريا.
عقدت الآليّة والهيئة الوطنيّة للعدالة الانتقاليّة اجتماعاً في دمشق لبحث فرص التعاون المشترك
دمشق، 10 أيّار/مايو — اجتمعت الآليّة مع الهيئة الوطنيّة السوريّة للعدالة الانتقاليّة في مقرّ الهيئة في دمشق، لبحث سبل التعاون المستقبلي وتعزيز الجهود المشتركة في دعم مسار العدالة والمساءلة في سوريا، ولا سيّما فيما يتعلّق بإدارة البيانات. وتتوجّه الآليّة بالشكر للهيئة على استضافة هذا اللقاء، وتتطلّع إلى مواصلة التعاون معها.
استمرار الطلب على دعم الآليّة
منذ بدء عملها عام 2018، شاركت الآليّة المعلومات والأدلّة مع جهات العدالة الدوليّة لدعم جهود العدالة والمساعدة في الكشف عن مصير المفقودين في سوريا في أكثر من ألف مناسبة منفصلة.
ويعكس هذا الإنجاز في أنشطة المشاركة الطلب المستمرّ والمتنامي على خبرات الآليّة ومواردها المتخصّصة في دعم التحقيقات والملاحقات القضائيّة المتعلّقة بسوريا وأهداف العدالة الأوسع نطاقًا. وقد سلّط رئيس الآليّة السيّد روبير بيتي الضوء على أهمّيّة هذا الإنجاز قائلاً: “يصبّ هذا الإنجاز في دعم 270 تحقيقاً وملاحقةً قضائيّةً خارج الحدود الإقليمية منفصلة. وهو مقياس واضح للطلب المتواصل على عملنا، وللفرص المتاحة للإسهام في الجهود العاجلة لدعم مبادرات العدالة الاوسع نطاقاً.”
والمواد المتشاركة تدعم مباشرةً التحقيقات والملاحقات القضائيّة خارج الحدود الإقليمية الجارية، بما فيها أربعون إجراءً قضائيّاً المرخّص للآليّة بالإفصاح علناً عن مشاركتها فيها، وإن كانت مساهماتها تمتدّ إلى قضايا أخرى كثيرة لا تزال سرّيّةً في هذه المرحلة.
وموافقة المصادر هي الأساس الذي يقوم عليه كلّ نشاط مشاركة تقوم به الآليّة: إذ لا تُشارَك أيّ مواد تحتفظ بها الآليّة دون الحصول مسبقاً على موافقة من قدّموها.
أوّل عمليّة جمع أدلّة تجريها الآليّة على الأراضي السوريّة

بالتعاون مع الحكومة السوريّة، نفّذت الآليّة أوّل عمليّة جمع أدلّة لها في الجمهوريّة العربيّة السوريّة.
وقد مُنح فريق الآليّة حقّ الوصول لزيارة مرفق احتجاز الخطيب، المعروف سابقاً بالفرع 251 التابع للمخابرات العامّة، وتوثيقه. وعلى مدار سنوات، قدّم الناجون/يات والمحتجزون السابقون شهاداتٍ تصف استخدام التعذيب والمعاملة القاسية والأوضاع اللاإنسانيّة على نطاقٍ واسعٍ ومنهجيٍّ في هذا المرفق.
ولا يزال الموقع يحمل آثاراً مرئيّةً للفظائع التي ارتُكبت بين جدرانه. وستسهم العمليّة التي نُفّذت بدعمٍ من وزارتَي الداخليّة والخارجيّة السوريّتين في الإجراءات القضائيّة الجارية والمستقبليّة الرامية إلى محاسبة المرتكبين على جرائمهم.
ومن خلال حفظ مواقع الاحتجاز والانتهاكات وجمع الأدلّة بدقّة، تهدف الآليّة والسلطات السوريّة إلى دعم مسارات العدالة وصون حقوق الضحايا وضمان ألّا تُطمس الانتهاكات الجسيمة ولا تُنسى. وقد أدّت الزيارة إلى الموقع إلى تمكين الآليّة من مشاركة معلومات إضافيّة تدعم المدّعين العامّين في ألمانيا في انطلاق محاكمة فهد أ.
رئيس الآليّة أمام الجمعيّة العامّة: فرصة العدالة متاحة الآن

في 15 نيسان/أبريل 2026، قدّم رئيس الآليّة السيّد روبير بيتي إحاطةً للجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في نيويورك عن التقرير السنوي للآليّة، ودعا الدول الأعضاء إلى دعم المؤسّسات السوريّة لتعزيز العدالة والمساءلة. وأشار إلى تقدّمٍ ملموسٍ في سوريا يتمثّل في إنشاء الهيئتين الوطنيّتين للعدالة الانتقاليّة والمفقودين، وتوقيف السلطات السوريّة لآلاف الجناة المزعومين. غير أنّه حذّر من أنّ هذه التطوّرات لا تزال جزئيّةً وأنّ تحدّيات جسيمةً ما زالت قائمة.
وصرّح قائلًا: “تدخل سوريا مرحلةً انتقاليّةً جديدةً ومحفوفةً بالغموض. ويبقى ثمّة ثابت واحد: لن تترسّخ العدالة دون التزامٍ راسخٍ وموارد كافيةٍ وهياكل قادرة على الاعتراف بجميع الضحايا وجميع الجرائم.”
ورحّبت الدول الأعضاء بما أحرزته الآليّة من تقدّمٍ وأكّدت دعمها لها.
اقرؤوا كلمة السيّد بيتي كاملةً هنا. شاهدوا إحاطة الأمم المتحدة والنقاش هنا.
جلسة نقاش تاريخيّة: ملاحقة نظام الأسد قضائيّاً خارج الحدود الإقليمية

في كانون الثاني/يناير 2026، استضافت الآليّة في جنيف جهات فاعلة سورية في مجال العدالة إلى جانب مدّعين عامّين ومحقّقين دوليّين، في يومين من النقاشات المركّزة حول المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها النظام السوري السابق.
وكان الاجتماع، الذي شمل نائب وزير العدل السوري للشؤون القضائيّة والنائب العام وعدداً من أعضاء السلطة القضائيّة والهيئة الوطنيّة للعدالة الانتقاليّة، لا يمكن تصوّره قبل سقوط نظام الأسد. وقد مثّل خطوةً هامّةً نحو تحقيق العدالة والمساءلة.

وفي اليوم الأوّل، قدّمت الآليّة لممثّلي وزارتَي العدل والخارجيّة السوريّتين والهيئة الوطنيّة للعدالة الانتقاليّة عروضًا حول ما تقدّمه من دعمٍ للهيئات القضائيّة التي تحقّق في الجرائم الدولية الأساسية وتلاحق مرتكبيها قضائيّاً. واستقت الجلسة دروساً من التعاون القضائي الدولي، وأفسحت المجال للمشاركين السوريّين لمشاركة وجهات نظرهم حول مسارات العدالة الوطنية.

وفي اليوم الثاني، انضمّ مدّعون عامّون ومحقّقون في جرائم الحرب من هيئاتٍ قضائيّةٍ وطنيّةٍ عدّة غير سوريّة إلى المشاركين السوريّين في جلسة نقاشٍ أكثر شمولًا. وتناولت النقاشات الواقع العملي للإجراءات خارج الحدود الإقليمية والتحدّيات المشتركة والاستراتيجيّات الفعليّة للتغلّب على عقبات التعاون، بما في ذلك ما تتيحه ولاية الآليّة.
وقال رئيس الآليّة السيّد روبير بيتي: “نحن ندخل مرحلةً جديدةً تتعايش فيها الجهود السوريّة الداخليّة والإجراءات خارج الحدود الإقليمية الجارية وتتكامل معاً بصورةٍ متزايدة. ويولّد هذا التعايش فرصاً.”
وأظهر النقاش على مدار اليومين تفاعلاً بنّاءً وتفاهماً مشتركاً على الأولويّات واهتماماً حقيقيّاً بمزيدٍ من التعاون.
الإحاطة الإلكترونيّة لمنظّمات المجتمع المدني في لوزان
حضر أكثر من أربعين منظّمةً من منظّمات المجتمع المدني الإحاطة الإلكترونيّة في لوزان، وهي اجتماع غير رسمي دعت إليه سويسرا وهولندا. وقد وفّر الاجتماع منبراً لمنظّمات المجتمع المدني السوري والآليّة لمناقشة التقرير الثاني عشر للآليّة المقدَّم إلى الجمعيّة العامّة (A/80/650) والاستماع مباشرةً من رئيس الآليّة عن أنشطتها داخل سوريا وخارجها.
استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات

شاركت الآليّة في مؤتمر لجنة جرائم الحرب التابعة لرابطة المحامين الدوليّة، وأسهمت في جلسةٍ ناقشت استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات، ولا سيّما تقاطعه مع معايير المسؤوليّة والإجراءات الجنائيّة، وانعكاساته على الضحايا والناجين/يات.
وتحدّث فريق الآليّة عن الطريقة التي تعامل بها مع التحدّيات العمليّة والأخلاقيّة لدمج التقنيّات الجديدة في سير عمل حفظ المعلومات والبيانات، مع الحفاظ على معايير صارمة لنزاهة الأدلّة في مواكبة الأدوات المتطوّرة باستمرار.
الآليّة في العمل: التحليل والمذكّرات القانونيّة وشهادة الخبراء
يُعدّ التحقيق والتحليل من المسارات الرئيسيّة لعمل الآليّة، إذ يرتكز على جمع المعلومات والأدلّة وحفظها. وضمن إطار مسارات التحقيق الاستراتيجيّة، تُعدّ الآليّة تقارير تحليليّةً ومذكّراتٍ قانونيّةً تساعد الهيئات القضائيّة المختصّة على فهم السياق الأشمل للجرائم المرتكبة في سوريا وأنماط العنف وهياكل القيادة والسيطرة والروابط بين الجماعات والأفراد والجرائم المحدّدة.
وتؤدّي هذه التقارير والمذكّرات وظيفةً مزدوجة: فهي تُشارَك مع المدّعين العامّين والمحقّقين لدعم إعداد القضايا، كما يمكن تقديمها مباشرةً بوصفها تقارير خبراء أو تقارير استعراضيّة في الإجراءات القضائيّة، ما يساعد الهيئات القضائيّة على تحديد السياق الذي وقعت فيه الجرائم المزعومة.
وحين تُستخدم إحدى تقارير الآليّة دليلاً في قضيّة، قد تطلب الهيئات القضائيّة أحياناً من أحد موظّفي الآليّة الإدلاء بشهادته. ويمثل موظّفو الآليّة عندئذٍ شهود سياقيين أو خبراء، يشرحون ولاية الآليّة ومنهجيّاتها ويتحدّثون عن مضمون التقرير ذي الصلة. وهذا من شأنه أن يساعد المحكمة على فهم السياق الذي وقعت فيه الجرائم المزعومة، أو على تحديد كيفيّة استيفاء الأدلّة للعناصر القانونيّة المحدّدة للتهم الموجَّهة.
ومن الأمثلة الحديثة على كيفيّة تطبيق ذلك عمليّاً محاكمة صبري السيّد في باريس في آذار/مارس 2026. وتتعلّق القضية بمواطن فرنسي انضمّ إلى تنظيم داعش ووُجِّهت إليه تهم الإبادة الجماعيّة والجرائم ضد الإنسانيّة على خلفية استعباد نساء وأطفال من الإيزيديّين. واستُند في القضيّة إلى تقرير الآليّة المتعلّق بالجرائم ضد الإنسانيّة الذي يُثبت فيه أنّ داعش شنّ هجوماً منهجيّاً على المدنيين وأنّ استهداف مجتمع الإيزيديّين كان جزءاً من عقيدة التنظيم وسياسته.
وأدلى أحد موظّفي الآليّة بشهادته أمام المحكمة بشأن نتائج الآليّة الواردة في المذكّرة، مساعداً بذلك القضاة على فهم كيف أنّ معاملة داعش للمدنيين الخاضعين لسيطرته، ولا سيّما الإيزيديّين، تستوفي العناصر القانونيّة للجرائم ضد الإنسانيّة. وقد نُظر في هذه الشهادة جنباً إلى جنب مع أدلّة الضحايا ومنظّمات المجتمع المدني خبراء آخرين والوثائق التي أنتجها تنظيم داعش بنفسه. وصدر حكم بإدانة المتّهم على جميع التهم الموجَّهة إليه، في أوّل إدانةٍ لمواطن فرنسي بتهمة الإبادة الجماعيّة، وفي المرّة الأولى التي يُدان فيها عضو في تنظيم داعش أمام المحاكم الفرنسيّة بجريمة الإبادة الجماعيّة والجرائم ضد الإنسانيّة الواقعة ضد الإيزيديّين.
خريطة مسار العدالة
فيما يلي عيّنة من الإجراءات التي سُمح فيها بالكشف عن دعم الآليّة لها. ويدعم عمل الآليّة هيئاتٍ قضائيّةٍ حول العالم، والمذكورة منها تشكّل جزءًا فقط من القضايا التي تساهم فيها الآليّة. وتبقى قضايا أخرى كثيرة سرّية لاعتباراتٍ تحقيقيّةٍ أو قانونيّة.
- يختلف دعم الآليّة تبعاً لاحتياجات الهيئات القضائيّة، ومن أمثلة أشكال المساعدة المقدَّمة: مشاركة المعلومات والأدلّة، وإعداد المنتجات التحليليّة، وتقارير تحديد الموقع الجغرافي، والتحليل القانوني، وتقديم الشهادات في المحاكمات، وأنشطة التحقيق، والتواصل مع الشهود ومقابلتهم.

المستجدّات القضائيّة الأخيرة
السويد
محمود سويدان (ميليشيا موالية للنظام السابق) – حكم في المحاكمة
في 4 أيّار/مايو 2026، قضت محكمة سولنا الابتدائيّة بسجن محمود سويدان، العضو السابق في ميليشيا “حركة فلسطين الحرّة” الموالية لنظام الأسد بالسجن المؤبد، على خلفية جرائم حرب ارتكبها في مخيّم اليرموك بدمشق خلال الفترة 2012-2013. وصدر الحكم بإدانته بالمشاركة في هجوم على إحدى التظاهرات في 13 تمّوز/يوليو 2012 ما أدّى إلى مقتل مدنيّين وجرح آخرين. وأُدين أيضًا بتشغيل نقطة تفتيش أوقف فيها المدنيّون وسُلِّموا إلى قوى الأمن السوريّة ما أدّى إلى عمليّات قتلٍ وتعذيبٍ ومعاملة لاإنسانيّة أخرى.
- قدّمت الآليّة دعماً جوهريّاً للتحقيق الجنائي، شمل أنشطةً تحقيقيّةً مخصّصةً وتقديم معلوماتٍ وأدلّة.
المملكة المتحدة
سالم السالم (الحكومة السوريّة السابقة) – توجيه اتّهامات
في 9 آذار/مارس 2026، وجّهت النيابة العامّة البريطانية إلى سالم السالم، العقيد السابق في المخابرات الجوّية السورية، ثلاث تهمٍ بالقتل المتعمّد بوصفه جريمةً ضد الإنسانيّة، وثلاث تهمٍ بالتعذيب، وتهمةً واحدةً بالمساعدة والتحريض على القتل، في جرائم ارتُكبت في دمشق عام 2011. ويُزعم أنّه بحكم صفته عقيداً في المخابرات الجويّة قاد مجموعةً كُلِّفت بقمع التظاهرات في ضواحي دمشق. وقد أُحيلت القضيّة إلى المحكمة الجنائيّة المركزيّة للنظر فيها.
وهذه هي المرّة الأولى التي توجّه فيها النيابة العامّة البريطانية تهماً بالجرائم ضد الإنسانيّة بموجب قانون المحكمة الجنائيّة الدوليّة لعام 2001.
- دعمت الآليّة التحقيق الجنائي الذي أجرته وحدة جرائم الحرب البريطانيّة بتزويدها بمعلوماتٍ وأدلّة.
فرنسا
قضيّة لافارج (داعش) – حكم في المحاكمة
في 13 نيسان/أبريل 2026، أدانت محكمة باريس الجنائيّة شركة لافارج وعدد من كبار مسؤوليها السابقين بتهمة تمويل جماعاتٍ إرهابيّةٍ في سوريا. وتعلّق الحكم بمدفوعاتٍ أجرتها لافارج عبر فرعها السوري في الفترة 2013-2014 لصالح جماعاتٍ جهاديّةٍ مسلّحةٍ من بينها داعش، بهدف مواصلة تشغيل مصنعها للأسمنت في جلابيا -شمال سوريا.
وصدر بحقّ شركة لافارج حكم بغرامةٍ جنائيّةٍ بلغت الحدّ الأقصى وهو 1.125 مليون يورو. فيما صدر بحقّ رئيسها التنفيذي السابق برونو لافون حكم بالسجن ست سنوات مع التنفيذ الفوري، وصدرت بحقّ سبعةٍ من كبار المسؤولين السابقين الآخرين أحكام بالسجن تتراوح بين 18 شهراً وسبع سنوات، شملت التنفيذ الفوري للعقوبة بالنسبة لنائب الرئيس التنفيذي السابق كريستيان هيرولت.
- دعمت الآليّة التحقيق الذي قاد إلى المحاكمة قبل فصله عن تحقيق الجرائم الدولية الأساسيّة، وذلك بتقديم معلوماتٍ وأدلّةٍ فضلاً عن تحليلٍ قانونيٍّ يُثبت وجود هجومٍ منهجيٍّ على المدنيّين في سوريا من قِبَل داعش.
صبري السيّد (داعش) – حكم في المحاكمة
في 20 آذار/مارس 2026، أدانت محكمة باريس للجنايات المواطن الفرنسي صبري السيّد غيابيّاً بتهمتَي الإبادة الجماعيّة والجرائم ضد الإنسانيّة، وقضت بسجنه مدى الحياة.
وتتعلّق الإدانة بأفعالٍ ارتكبها صبري السيّد في سوريا بين عامَي 2014 و2016 بوصفه عضواً في تنظيم داعش، وتشمل الإبادة الجماعيّة بإحداث أذىً جسديٍّ أو نفسيٍّ جسيمٍ لأفراد الجماعة، والجرائم ضد الإنسانيّة بما فيها الاستعباد والتعذيب والاغتصاب والاضطهاد وسائر الأفعال اللاإنسانيّة ضد نساءٍ وأطفالٍ من الإيزيديّين.
وتُعدّ هذه المحاكمة الأولى التي يُدان فيها في فرنسا عضو في داعش بجريمة الإبادة الجماعيّة والجرائم ضد الإنسانيّة، إذ اقتصرت القضايا الفرنسيّة السابقة المتعلّقة بداعش على جرائم الإرهاب. وهي المرّة الأولى على الإطلاق التي يُدان فيها مواطن فرنسي بجريمة الإبادة الجماعيّة.
- دعمت الآليّة التحقيق بتقديم المعلومات والأدلّة وتقريرها الذي يُرسي الأساس القانوني والدليلي لتوجيه تهم الجرائم ضد الإنسانيّة إلى مرتكبي الجرائم من عناصر داعش، فضلاً عن الإدلاء بشهاداتٍ أمام المحكمة.
هولندا
رفيق أ. (ميليشيا موالية للنظام السابق) – محاكمة جارية
في 8 نيسان/أبريل 2026، افتتحت محكمة لاهاي الابتدائيّة المحاكمة في القضيّة المعروفة بـ”شيلدون” المتعلّقة بسوري يُشتبه في أنّه كان يرأس قسم الاستجواب في ميليشيا قوات الدفاع الوطني الموالية للحكومة في مدينة السلميّة خلال الفترة 2013-2014. ويُلاحَق قضائيّاً بتهم التعذيب والجرائم ضد الإنسانيّة بما فيها العنف الجنسي والاغتصاب. وهذه هي المرّة الأولى التي تتمّ فيها ملاحقة فردٍ قضائيّاً في هولندا على جريمة العنف الجنسي بوصفها جريمةً ضد الإنسانيّة.
ومن المقرّر إصدار الحكم في 9 حزيران/يونيو 2026.
- قدّمت الآليّة دعماً جوهريّاً للتحقيق بتقديم معلوماتٍ وأدلّة، فضلاً عن مساعدةٍ تحقيقيّةٍ مستهدفةٍ شملت التعرّف على الشهود ومقابلتهم وتيسير التواصل معهم.
حسناء أ. (داعش) – حكم في الاستئناف
في 25 آذار/مارس 2026، أيّدت محكمة استئناف لاهاي أحكام الإدانة الصادرة بحقّ المواطنة الهولنديّة والعضو السابق في داعش حسناء أ. بتهم استعباد امرأةٍ إيزيديّةٍ بوصفه جريمةً ضد الإنسانيّة، والمشاركة في منظّمةٍ إرهابيّة، وأعمال تحضيريّة لجرائم إرهابيّة، وتعريض طفلٍ للخطر بتركه في وضع عجزٍ تام في الرقّة بسوريا عام 2015. وخُفِّف الحكم من عشر سنوات إلى تسع سنوات سجناً.
والجدير بالذكر أنّ الضحيّة حُكم لها بتعويضٍ قدره 15,000 يورو.
وحسناء أ. هي أوّل فردٍ يُحاكَم في هولندا على جرائم ارتُكبت ضد الإيزيديّين.
- دعمت الآليّة التحقيق بتزويد الجهات المختصّة بمعلوماتٍ وأدلّة.
ألمانيا
قضيّة فهد أ. (الحكومة السوريّة السابقة) – محاكمة جارية
في 27 نيسان/أبريل 2026، افتتحت محكمة كوبلنز الإقليميّة العليا محاكمة فهد أ.، الحارس السابق في مرفق احتجاز الخطيب، المعروف بالفرع 251 للمخابرات العامّة، في دمشق في الفترة بين نيسان/أبريل 2011 ونيسان/أبريل 2012. واعتُقل في ألمانيا في أواخر أيّار/مايو 2025.
ويواجه فهد أ. تهماً بالقتل المتعمّد والتعذيب والحرمان من الحرّيّة بوصفها جرائم ضد الإنسانيّة والقتل المتعمّد. ويُزعم أنّه اشترك في أكثر من مئة جلسة استجواب تضمّنت الصعق الكهربائي والضرب وأساليب ضغطٍ جسديٍّ مؤلمة. وخلال الفترة المزعومة لخدمته، أُفيد بوفاة ما لا يقلّ عن سبعين محتجزاً جرّاء التعذيب وأوضاع الاحتجاز اللاإنسانيّة.
دعمت الآليّة التحقيق بتزويد الجهات المختصّة بمعلوماتٍ وأدلّة، وبزيارة مرفق احتجاز الخطيب في دمشق بدعمٍ من السلطات السوريّة بهدف توثيق الموقع لاستخدامه في المحاكمة.
المصطلحات
- القيادة والسيطرة: يُقصد بهما السلطة والمسؤولية التي يتمتع بها القادة العسكريون او المدنيون تجاه مرؤوسيهم. وفي القانون الدولي، يمكن ان يُسأل القائد قانونيا عن الجرائم التي يرتكبها من هم تحت قيادته اذا علم او كان ينبغي له ان يعلم بارتكابها او الشروع فيها ولم يتخذ ما يلزم لمنعها او معاقبة مرتكبيها. ويكفل هذا المبدا الا يُفلت من المساءلة من هم في قمة سلسلة القيادة بحجة انهم لم يقوموا شخصيا بتنفيذ الافعال.
- الاجراءات القضائية الخارجية: اجراءات قانونية تُجريها محاكم دولة ما بشان جرائم ارتُكبت خارج اقليمها. والاصل ان تختص محاكم الدولة بالجرائم المرتكبة داخل حدودها فحسب. غير ان الاختصاص القضائي الخارجي يُعدّ استثناء يتيح للدول ملاحقة الجرائم استنادا الى عوامل اخرى كجنسية المتهم او الضحية، او لان خطورة الجريمة كالتعذيب والابادة الجماعية تُجيز القانون الدولي او تُوجب على اي دولة التصرف. وهذا ما يُعرف في اشمل اشكاله بالاختصاص القضائي العالمي.
- الحكم الغيابي: محاكمة المتهم وادانته دون حضوره الشخصي في المحكمة، كما في قضية صابري السيد.
- نزاهة الادلة: السجل الموثق والمتواصل لكيفية جمع الادلة والتعامل معها وتخزينها ونقلها، مما يضمن عدم تغييرها او تلوثها او الاخلال بها في اي مرحلة. وتُطبّق الآلية معايير صارمة للحفاظ على نزاهة الادلة كي تستوفي المواد المحفوظة في مستودعها المركزي متطلبات الاثبات التي تشترطها المحاكم الجنائية، بما في ذلك عمليات التدقيق الدورية في سلامة الادلة والتخزين الآمن مع نسخ احتياطية متعددة والتحقق من سلسلة الحيازة قبل مشاركة اي ادلة مع الولايات القضائية.
- الخطوط الاستراتيجية للتحقيق: لا تُحقق الآلية في جميع الجرائم المُبلَّغ عنها بالقدر ذاته، بل تُركّز مواردها وفق اولويات موضوعية وتنظيمية محددة تُعرف بالخطوط الاستراتيجية للتحقيق. وقد تشمل شبكات محددة من المرتكبين او انواعا بعينها من الجرائم او انماط الانتهاكات. ويكفل هذا النهج المركّز ان تكون الادلة التي تجمعها الآلية وتحللها اكثر قدرة على الافادة في تحقيقات وولايات قضائية متعددة.
للاطلاع على مزيد من التعريفات انقر هنا.
